السيد هاشم البحراني

61

البرهان في تفسير القرآن

فقال له روبيل : ارجع إلى ربك رجعة نبي حكيم ورسول كريم ، وسله أن يصرف عنهم العذاب فإنه غني عن عذابهم ، وهو يحب الرفق بعباده ، وما ذلك بأضر لك عنده ولا أسوأ لمنزلتك لديه ، ولعل قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما ، فصابرهم وتأنهم . فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل ! ما أشرف على يونس وأمرته به بعد كفرهم بالله ، وجحدهم لنبيه ، وتكذيبهم إياه ، وإخراجهم إياه من مساكنه ، وما هموا به من رجمه ! فقال روبيل لتنوخا : اسكت ، فإنك رجل عابد ، لا علم لك ، ثم أقبل على يونس ، فقال : أرأيت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك ، أينزله فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقي بعضا ؟ فقال له يونس : بل يهلكهم الله جميعا ، وكذلك سألته ، ما دخلتني لهم رحمة تعطف فأراجع الله فيها وأسأله أن يصرف عنهم . فقال له روبيل : أتدري - يا يونس - لعل الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسوا به أن يتوبوا إليه ويستغفروا فيرحمهم ، فإنه أرحم الراحمين ، ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله أنه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء ، فتكون بذلك عندهم كذابا . فقال له تنوخا : ويحك - يا روبيل - لقد قلت عظيما ، يخبرك النبي المرسل أن الله أوحى إليه بأن العذاب ينزل عليهم ، فترد قول الله وتشك فيه وفي قول رسوله ؟ ! اذهب فقد حبط عملك . فقال روبيل لتنوخا : لقد فشل رأيك ، ثم أقبل على يونس ، فقال : إذا نزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما انزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم وقوله الحق ، أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم ، أليس يمحوا الله اسمك من النبوة ، وتبطل رسالتك ، وتكون كبعض ضعفاء الناس ، ويهلك على يديك مائة ألف أو يزيدون من الناس ؟ فأبى يونس أن يقبل وصيته ، فانطلق ومعه تنوخا إلى قومه ، فأخبرهم أن الله أوحى إليه أنه منزل العذاب عليكم يوم الأربعاء في شوال في وسط الشهر بعد طلوع الشمس . فردوا عليه قوله ، فكذبوه وأخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا . فخرج يونس ومعه تنوخا من القرية ، وتنحيا عنهم غير بعيد ، وأقاما ينتظران العذاب . وأقام روبيل مع قومه في قريتهم ، حتى إذا دخل عليهم شوال صرخ روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم : أنا روبيل ، شفيق عليكم ، رحيم بكم ، هذا شوال قد دخل عليكم ، وقد أخبركم يونس نبيكم ورسول ربكم أن الله أوحى إليه أن العذاب ينزل عليكم في شوال في وسط الشهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس ، ولن يخلف الله وعده رسول ، فانظروا ما أنتم صانعون ؟ فأفزعهم كلامه ووقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب ، فأجفلوا نحو روبيل ، وقالوا له : ماذا أنت مشير به علينا - يا روبيل - فإنك رجل عالم حكيم ، لم نزل نعرفك بالرأفة « 1 » علينا والرحمة لنا ، وقد بلغنا ما أشرت به على يونس فينا ، فمرنا بأمرك وأشر علينا برأيك . فقال لهم روبيل : فإني أرى لكم وأشير عليكم أن تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشهر

--> ( 1 ) في المصدر : بالرقة .